الأحد، 23 يناير، 2011

التطرف ..مفهومه ..جذوره ..منطلقاته .


 من الظواهر الخطيرة التي ابتليت بها المجتمعات العربية والإسلامية عامة وبلادنا اليمن على وجه الخصوص ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني، هذه الظاهرة التي بدأت تأخذ شكلاً خطيراً من التنفيذ والتخطيط، أبرز صورها تنفيذ العمليات الإنتحارية، واستهداف الأطفال للقيام بهذه العمليات.
إن هذه الظاهرة أصبحت تمثل أخطر ظاهرة تستهدف تمزيق المجتمع، وتهديد السلم الإجتماعي، بالإضافة إلى انعكاسها السلبي على الدين الإسلامي، تستهدف أهم مبادئه وقيمه التسامُح والعقلانية والإنفتاح والتفاعل الإيجابي مع مختلف الثقافات والحضارات.
إن ظاهرة العنف الديني التي وصلت إلى حد تنفيذ عمليات إنتحارية يقوم بها أطفال ليست حوادث عارضة يمكن إحتواؤها بسهولة ويُسر، بل هي حوادث إرهابية ترتكز على بُنى إجتماعية وثقافية ونفسية، فيجبُ على الدولة أن تقوم بواجبها لدراسة الظاهرة وتفكيكها والوقوف على أبعادها المتعددة بصورة جدية للوصول إلى رُؤية كاملة لتجفيف منابع الإرهاب، وحماية جيل كامل تعصفُ به الأهواءُ والإستعدادات المختلفة، أما إذا تم التعامل معها بهكذا طريقة وكيفية فسوف يبشر ذلك باتساعها وانتعاشها، خاصة في ظل مؤسسات تعليمية وإعلامية وثقافية متداعية ومناخ معيشي سيء ملائم ومشجع لتمدد هذه الظاهرة، كما أنه من جهة أخرى ليس من مصلحة البلد غض الطرف عن كثير من جوانب الظاهرة، وأن ندع للكثير من الإعتبارات كي تنحرف بأسس وآليات التعامل السليم معها كنهج سلطوي مستمر في تزييف الوعي والحقائق واللعب على جميع الأوراق، ومواجهة القضايا بحلول لحظية ووفقاً للإعتبارات والرغبات على حساب كـُـلّ ما يتعلق بأمن واستقرار ومستقبل هذا الوطن وهذا الشعب.
إن جميع المعطيات والحقائق تؤكد أننا بالفعل أمام تنظيم يمتلك أدوات تنظيمية كبيرة وإمكانيات مادية هائلة تتحرك وتفعّل ضمن أجندة مشروع إقليمي ذي خصائص وسمات »طالبانية« وجد مناخاً وبيئة في اليمن مهيأةً لتحركه ونموه بسُهولة، مُستغلة غيابَ التيار التنويري الحداثوي الذي أصبح شبه مشلول لما أصابه ولحق به من ضربات وإقصاء لصالح التيار الأصولي والقبلي والإنتهازي كقوى تدميرية داخل مؤسسات الحكم وفي موقع صنع القرار، وقوى منتجة للأزمات المتوالية، وهو ما أعاق طوال العقود الماضية مسألة بناء الدولة بناءً حديثاً ومؤسسياً، وأعاق عملية التحول الديمقراطي الطبيعي الذي لا يمكن أن يتم ويحدث دون البدء عملياً في بناء الدولة وإعادة الإعتبار لتيار النهضة والتحديث لكي يرسم ملامح اليمن الجديد.
إن ظاهرة العنف الديني ما هي إلا منتج عملي وفعلي للتطرف والإرهاب الفكري، ولذا أصبح من المهم جداً تناوُلُ هذه الظاهرة من جميع أبعادها ومنطلقاتها والوقوف على سياقها التأريخي وارتباطاتها الإقليمية الراهنة.
المفهوم العام للتطرف
> التطرف كمفردة: هو الميلُ عن المركز والإبتعاد عن الجوهر والأساس، إذاً هو الغلو والإنحراف عن جاد الصواب وعن محور التفكير العقلاني والسلوك السوي.
والتطرف بجميع مظاهره واتجاهاته يعتبر حالة مرضية مدمرة »سيكوباتية« تسيطر على الشخص الذي ينطلق من أحكام مسبقة ورؤى وأفكار ومعتقدات يرى فيها الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقاش والمراجعة، فهي عنده بمثابة أي قانون طبيعي، أو نظرية علمية، ولذا فهو غير مستعد أن يتنازل عنها، أو عن بعضها، كما تسيطر على المتطرف نزعة السيطرة ووهم إصلاح العالم، تكون في البدء على مستوى الفكرة الضيقة، ثم تتطور لديه إلى مستوى الوسيلة والفعل، كيفما كانت النتائج.
عانت البشرية كثيراً ولا زالت تعاني من هذه النزعة المرضية والعصبية إلى جانب الإستبداد والحروب التي شهدتها البشرية في العصر الحديث، نموذج صارخ للتطرف حد الجنون وعشق الفناء، حروب عبثية عدمية لا معنى لها سوى حرب الكل ضد الكل، وانتصاراً لأفكار نيتشويه عن الرجل السامي الأعلى »السوبرمان« الذي يجب أن يسود، فكانت النتائج باهضة الثمن خرجت أوروبا من هذه الحرب مذهولة ومصدومة ومجروحة في عمقها الإنساني، فبدأت تراجع الكثير من المسائل والمفاهيم لتدرك أن الحل يكمن في التأسيس أكثر لقيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والقيام بمأسسة الدولة والمجتمع والبدء في تنفيذ خطة التنمية الشاملة من خلال تنمية الفرد وإقرار الحريات والحقوق.
التطرف والعصبية
 توأما الإستبداد
> إن التطرف شكل من أشكال العصبية المدمرة التي تحرك الصراعات الإجتماعية والإثنية خاصة في المجتمعات ذات البنى الإجتماعية التقليدية التي لم تندرج في بنية الدولة الحديثة، حيث تصبح هذه البُنى »القبيلة، العشيرة، الطائفة« حضناً دافئاً للتطرف.. كما أن العصبية من العوامل الرئيسية في تدمير الحواضر المدنية والعمرانية، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في كتابه المقدمة إلى جانب الإستبداد، فالتطرف والإستبداد وجهان لعملة واحدة، فكلاهما نزوعٌ إلى مصادرة الحريات والحقوق، ونزوع للصراع والإنتهاكات والقمع، وعبر التأريخ كان التطرف أداة مهمة من أدوات الإستبداد، فحيثما ينمو الإستبداد السياسي ينمو إلى جانبه الإستبداد والإرهاب الفكري.
التطرف من الحنبلية
 إلى الوهابية
> بدأ التطرف الديني في التأريخ الإسلامي منذ أن أغتصبت السلطة بالإنقلاب على مبدأ الشورى وتحويل السلطة إلى ملك عضوض محتكر، والترسيخ له بقوة السيف وتصفية الجماعات المعارضة والمناهضة، تحركه في ذلك نزعة عصبوية ووعي ما قبل الإسلام.
والآن الحاكم الذي لا يزال يسيطر عليه هذا الوعي يدرك أنه انقلب على ثابت ديني من ثوابت الأمة وهو الإنقلاب على مبدأ الشورى، كان لا بد له أن يشرعن هذا الإنقلاب، ويشرعن ما تلا ذلك من انتهاكات وعنف وصراع دموي لترسيخ مبدأ الحكم الوراثي، من خلال تقريب فقهاء السلطة »الإنتهازية الدينية« التي بررت دينياً للحاكم كل أفعاله وجرائمه، وحروبه، وجعلت منه قائماً بأمر الله وظل الله في الأرض، ومن هنا بدأ التأسيس عملياً لفكر الخنوع والتراجع والإنقسام، ومحاربة العقل وكل نزعة عقلانية، وإرجاع كـُـلّ الأفعال إما إلى الجبر أو القدر.
فأخذ هذا الإتجاه المنغلق يأخذ مسارات أكثر تشدداً وغلواً بإغلاق باب الإجتهاد »لا اجتهاد في النص« كتأصيل ديني متطرف إستهدف عقل الأمة وحريتها وألغى التعدد والتنوع الفكري، واستهدف إقصاءَ الآخرين من العلماء والفقهاء والفلاسفة والتنكيل بهم؛ لأنهم جعلوا من العقل الحُجة الأولى في الإدراك والعبادة والمعرفة والإيمان، وهو ما رفضه تيارُ الإنغلاق والتحريض عليهم لدى الحاكم المستبد، ومن هُنا فتح الباب على مصراعيه لهذا التيار الذي يأخذ بظاهر النص وتأويله وفقاً للأهواء ورغبات الحاكم، لا بباطن النص ودلالاته اللغوية، وسياقاته التأريخية وأسباب التنزيل وظرفي الزمان والمكان، فكانت هذه هي الطامة الكبرى وبداية محنة العقل العربي والإسلامي حتى اليوم.
تزعم هذا الإتجاه بصورة صارخة الإتجاهُ الحنبلي الذي يتميز بالتشدد والغلو ومحاربة العقل وتعطيله، ورفض مبدأ الحوار كأساس للإلتقاء والتقارب، فكان طبيعياً أن ترتبط معظم الصراعات والفتن في التأريخ الإسلامي ارتباطاً وثيقاً بهذا الاتجاه، على الرغم من الإمتداد التأريخي الكبير ما بين السلفية الأولى وسلفية اليوم »الوهابية« وما حدث خلال الإمتداد من إنجازات وتطورات كونية على جميع المستويات، وخاصة في الجوانب العلمية والتكنولوجية، والتي صبت جميعها في خدمة الإنسانية كتأكيد أن التغير والتطور سنة كونية، وأن التأريخ لا يمكن أن يقف عند نقطة معينة أو جماعة معينة، غير أن الوهابية لم يؤثر فيها هذا الكم من الإنجازات والتطورات التي حققها العقل البشري، والتي لا تصل مساهمتنا فيها كعرب ومسلمين مع الأسف الشديد نسبة »٢٪«، فلا زالت مشدودة إلى القرون الأولى بل وتكرس كـُـلّ إمكانياتها لإخراجنا من العصر والعودة بنا للعيش في ذلك العهد بكل تفاصيله.
ولذا لا غرابة في حالة الغيبوبة التي تعيشها، وحالة القطيعة التي تفرضها مع العصر، ولا غرابة أيضاً أن تكون الوهابية »سلفية اليوم« هي حاضنة التطرف الديني في عصرنا الراهن الممتد من كراتشي حتى المغرب العربي، والجيوب المتطرقة التي تنشئها خارج هذا النطاق، ونحن عندما نتكلم عن هذه السلفية لا نتكلم عنها كمذهب، ولا ننطلق من موقع ضيق مغاير، بل نتكلم عنها راهناً كمشروع إقليمي يجري تعميمُه بقوة المال والوفرة واستغلال البيئات الإجتماعية المهيئة لاحتضانها.
> محمد علي عناش
> من الظواهر الخطيرة التي أبتليت بها المجتمعات العربية والإسلامية عامة وبلادنا اليمن على وجه الخصوص ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني، هذه الظاهرة التي بدأت تأخذ شكلاً خطيراً من التنفيذ والتخطيط، أبرز صورها تنفيذ العمليات الإنتحارية، واستهداف الأطفال للقيام بهذه العمليات.
إن هذه الظاهرة أصبحت تمثل أخطر ظاهرة تستهدف تمزيق المجتمع، وتهديد السلم الإجتماعي، بالإضافة إلى انعكاسها السلبي على الدين الإسلامي، تستهدف أهم مبادئه وقيمه التسامُح والعقلانية والإنفتاح والتفاعل الإيجابي مع مختلف الثقافات والحضارات.
إن ظاهرة العنف الديني التي وصلت إلى حد تنفيذ عمليات إنتحارية يقوم بها أطفال ليست حوادث عارضة يمكن إحتواؤها بسهولة ويُسر، بل هي حوادث إرهابية ترتكز على بُنى إجتماعية وثقافية ونفسية، فيجبُ على الدولة أن تقوم بواجبها لدراسة الظاهرة وتفكيكها والوقوف على أبعادها المتعددة بصورة جدية للوصول إلى رُؤية كاملة لتجفيف منابع الإرهاب، وحماية جيل كامل تعصفُ به الأهواءُ والإستعدادات المختلفة، أما إذا تم التعامل معها بهكذا طريقة وكيفية فسوف يبشر ذلك باتساعها وانتعاشها، خاصة في ظل مؤسسات تعليمية وإعلامية وثقافية متداعية ومناخ معيشي سيء ملائم ومشجع لتمدد هذه الظاهرة، كما أنه من جهة أخرى ليس من مصلحة البلد غض الطرف عن كثير من جوانب الظاهرة، وأن ندع للكثير من الإعتبارات كي تنحرف بأسس وآليات التعامل السليم معها كنهج سلطوي مستمر في تزييف الوعي والحقائق واللعب على جميع الأوراق، ومواجهة القضايا بحلول لحظية ووفقاً للإعتبارات والرغبات على حساب كـُـلّ ما يتعلق بأمن واستقرار ومستقبل هذا الوطن وهذا الشعب.
إن جميع المعطيات والحقائق تؤكد أننا بالفعل أمام تنظيم يمتلك أدوات تنظيمية كبيرة وإمكانيات مادية هائلة تتحرك وتفعّل ضمن أجندة مشروع إقليمي ذي خصائص وسمات »طالبانية« وجد مناخاً وبيئة في اليمن مهيأةً لتحركه ونموه بسُهولة، مُستغلة غيابَ التيار التنويري الحداثوي الذي أصبح شبه مشلول لما أصابه ولحق به من ضربات وإقصاء لصالح التيار الأصولي والقبلي والإنتهازي كقوى تدميرية داخل مؤسسات الحكم وفي موقع صنع القرار، وقوى منتجة للأزمات المتوالية، وهو ما أعاق طوال العقود الماضية مسألة بناء الدولة بناءً حديثاً ومؤسسياً، وأعاق عملية التحول الديمقراطي الطبيعي الذي لا يمكن أن يتم ويحدث دون البدء عملياً في بناء الدولة وإعادة الإعتبار لتيار النهضة والتحديث لكي يرسم ملامح اليمن الجديد.
إن ظاهرة العنف الديني ما هي إلا منتج عملي وفعلي للتطرف والإرهاب الفكري، ولذا أصبح من المهم جداً تناوُلُ هذه الظاهرة من جميع أبعادها ومنطلقاتها والوقوف على سياقها التأريخي وارتباطاتها الإقليمية الراهنة.
المفهوم العام للتطرف
> التطرف كمفردة: هو الميلُ عن المركز والإبتعاد عن الجوهر والأساس، إذاً هو الغلو والإنحراف عن جاد الصواب وعن محور التفكير العقلاني والسلوك السوي.
والتطرف بجميع مظاهره واتجاهاته يعتبر حالة مرضية مدمرة »سيكوباتية« تسيطر على الشخص الذي ينطلق من أحكام مسبقة ورؤى وأفكار ومعتقدات يرى فيها الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقاش والمراجعة، فهي عنده بمثابة أي قانون طبيعي، أو نظرية علمية، ولذا فهو غير مستعد أن يتنازل عنها، أو عن بعضها، كما تسيطر على المتطرف نزعة السيطرة ووهم إصلاح العالم، تكون في البدء على مستوى الفكرة الضيقة، ثم تتطور لديه إلى مستوى الوسيلة والفعل، كيفما كانت النتائج.
عانت البشرية كثيراً ولا زالت تعاني من هذه النزعة المرضية والعصبية إلى جانب الإستبداد والحروب التي شهدتها البشرية في العصر الحديث، نموذج صارخ للتطرف حد الجنون وعشق الفناء، حروب عبثية عدمية لا معنى لها سوى حرب الكل ضد الكل، وانتصاراً لأفكار نيتشويه عن الرجل السامي الأعلى »السوبرمان« الذي يجب أن يسود، فكانت النتائج باهضة الثمن خرجت أوروبا من هذه الحرب مذهولة ومصدومة ومجروحة في عمقها الإنساني، فبدأت تراجع الكثير من المسائل والمفاهيم لتدرك أن الحل يكمن في التأسيس أكثر لقيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والقيام بمأسسة الدولة والمجتمع والبدء في تنفيذ خطة التنمية الشاملة من خلال تنمية الفرد وإقرار الحريات والحقوق.
التطرف والعصبية
 توأما الإستبداد
> إن التطرف شكل من أشكال العصبية المدمرة التي تحرك الصراعات الإجتماعية والإثنية خاصة في المجتمعات ذات البنى الإجتماعية التقليدية التي لم تندرج في بنية الدولة الحديثة، حيث تصبح هذه البُنى »القبيلة، العشيرة، الطائفة« حضناً دافئاً للتطرف.. كما أن العصبية من العوامل الرئيسية في تدمير الحواضر المدنية والعمرانية، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في كتابه المقدمة إلى جانب الإستبداد، فالتطرف والإستبداد وجهان لعملة واحدة، فكلاهما نزوعٌ إلى مصادرة الحريات والحقوق، ونزوع للصراع والإنتهاكات والقمع، وعبر التأريخ كان التطرف أداة مهمة من أدوات الإستبداد، فحيثما ينمو الإستبداد السياسي ينمو إلى جانبه الإستبداد والإرهاب الفكري.
التطرف من الحنبلية
 إلى الوهابية
> بدأ التطرف الديني في التأريخ الإسلامي منذ أن أغتصبت السلطة بالإنقلاب على مبدأ الشورى وتحويل السلطة إلى ملك عضوض محتكر، والترسيخ له بقوة السيف وتصفية الجماعات المعارضة والمناهضة، تحركه في ذلك نزعة عصبوية ووعي ما قبل الإسلام.
والآن الحاكم الذي لا يزال يسيطر عليه هذا الوعي يدرك أنه انقلب على ثابت ديني من ثوابت الأمة وهو الإنقلاب على مبدأ الشورى، كان لا بد له أن يشرعن هذا الإنقلاب، ويشرعن ما تلا ذلك من انتهاكات وعنف وصراع دموي لترسيخ مبدأ الحكم الوراثي، من خلال تقريب فقهاء السلطة »الإنتهازية الدينية« التي بررت دينياً للحاكم كل أفعاله وجرائمه، وحروبه، وجعلت منه قائماً بأمر الله وظل الله في الأرض، ومن هنا بدأ التأسيس عملياً لفكر الخنوع والتراجع والإنقسام، ومحاربة العقل وكل نزعة عقلانية، وإرجاع كـُـلّ الأفعال إما إلى الجبر أو القدر.
فأخذ هذا الإتجاه المنغلق يأخذ مسارات أكثر تشدداً وغلواً بإغلاق باب الإجتهاد »لا اجتهاد في النص« كتأصيل ديني متطرف إستهدف عقل الأمة وحريتها وألغى التعدد والتنوع الفكري، واستهدف إقصاءَ الآخرين من العلماء والفقهاء والفلاسفة والتنكيل بهم؛ لأنهم جعلوا من العقل الحُجة الأولى في الإدراك والعبادة والمعرفة والإيمان، وهو ما رفضه تيارُ الإنغلاق والتحريض عليهم لدى الحاكم المستبد، ومن هُنا فتح الباب على مصراعيه لهذا التيار الذي يأخذ بظاهر النص وتأويله وفقاً للأهواء ورغبات الحاكم، لا بباطن النص ودلالاته اللغوية، وسياقاته التأريخية وأسباب التنزيل وظرفي الزمان والمكان، فكانت هذه هي الطامة الكبرى وبداية محنة العقل العربي والإسلامي حتى اليوم.
تزعم هذا الإتجاه بصورة صارخة الإتجاهُ الحنبلي الذي يتميز بالتشدد والغلو ومحاربة العقل وتعطيله، ورفض مبدأ الحوار كأساس للإلتقاء والتقارب، فكان طبيعياً أن ترتبط معظم الصراعات والفتن في التأريخ الإسلامي ارتباطاً وثيقاً بهذا الاتجاه، على الرغم من الإمتداد التأريخي الكبير ما بين السلفية الأولى وسلفية اليوم »الوهابية« وما حدث خلال الإمتداد من إنجازات وتطورات كونية على جميع المستويات، وخاصة في الجوانب العلمية والتكنولوجية، والتي صبت جميعها في خدمة الإنسانية كتأكيد أن التغير والتطور سنة كونية، وأن التأريخ لا يمكن أن يقف عند نقطة معينة أو جماعة معينة، غير أن الوهابية لم يؤثر فيها هذا الكم من الإنجازات والتطورات التي حققها العقل البشري، والتي لا تصل مساهمتنا فيها كعرب ومسلمين مع الأسف الشديد نسبة »٢٪«، فلا زالت مشدودة إلى القرون الأولى بل وتكرس كـُـلّ إمكانياتها لإخراجنا من العصر والعودة بنا للعيش في ذلك العهد بكل تفاصيله.
ولذا لا غرابة في حالة الغيبوبة التي تعيشها، وحالة القطيعة التي تفرضها مع العصر، ولا غرابة أيضاً أن تكون الوهابية »سلفية اليوم« هي حاضنة التطرف الديني في عصرنا الراهن الممتد من كراتشي حتى المغرب العربي، والجيوب المتطرقة التي تنشئها خارج هذا النطاق، ونحن عندما نتكلم عن هذه السلفية لا نتكلم عنها كمذهب، ولا ننطلق من موقع ضيق مغاير، بل نتكلم عنها راهناً كمشروع إقليمي يجري تعميمُه بقوة المال والوفرة واستغلال البيئات الإجتماعية المهيئة لاحتضانها.
> محمد علي عناش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق