الأحد، 23 يناير، 2011

العقل العربي ..خارج العصر..داخل الخرافة


                    العقل العربي ..خارج العصر..داخل الخرافة
                                                       بقلم/ محمد علي عناش
منذ حوالي القرن وبالتحديد منذ الأفغاني والطهطاوي ومن ثم محمد عبده وسلامه موسى,وطه حسين, أخذ العقل العربي يتساءل,لماذا يتقدم الغرب ويتخلف العرب والمسلمون,خاصة من بعد          عودة الأزهريين   من بلاد الأنوار أسماها  الطهطاوي بلاد العلم والجن والملائكة ,وبدأ يطرح مسألة الأصالة والمعاصرة,ويطرح مسألة الحداثة ويدعو لها ,لكنه في نفس الوقت يظل ينقدها حتى يجهز عليها تماما .
الإمام محمد عبده الذي   كان يعتبر واحدا من أهم دعاة الإصلاح الديني  انتهى به الوعي باللحظة   التاريخية إلى القناعة بأنه لا حل ولا مخرج  لهذه الأمة إلا بمستبد عادل ,كتعبير عن وعي المؤسسة الدينية بالحداثة وموقفها منها, الذي هو موقفها من الغرب الذي يتعارض تماما مع الشرق في بنية هذا الوعي الذي يتمثل في وعي الشيخ , حسب تقييم المفكر المغربي عبدا لله العروي  للمشهد  الفكري المعاصر في تلك الفترة التي هيمن عليها  ثلاثة رجال الشيخ+رجل السياسة+ داعية التقنية .                                                                                        لذا كان من الطبيعي أ ن تتعارض وتتناقض دعوة الإمام محمد عبده إلى مستبد عادل ,مع دعوة رجل  السياسة وداعية التقنية , اللذين كانا يناديان   بالحرية والديمقراطية والتنظيم السياسي وا لانفتاح كاتجاه ليبرالي  حداثي  لم يكن واضح المعالم أو المنهج الذي ينبع من بنية المجتمع , وإنما محاولة تمثل النموذج  والمثال في الغرب  , مع ذلك يعتبر بداية جادة لتأصيل وعي حداثي  ومشروع مدني ,حتما كان سينضج  مع الخبرة والتراكم بأبعاد ومعطيات المجتمع العربي .مثل هذا الإتجاه لطفي السيد وسلامه موسى ومن ثم عميد الأدب العربي طه حسين. إن الصدمة الحضارية التي مني بها العقل العربي كانت قوية ,ولدت لديه حالة من الخوف والتحسر وكذا التبرير أيضا ,فأخذ يبحث ويقلب في التراث ,عن الإشكالية وعن الحلول ,ليجد ذاته أولا وكيف يمكن مواجهة عجزه المعاصر...يحاول جاهدا أن يشعل شمعة  سرعان ماتنطفىء ,ويتوهم حينا أنه اكتشف ذاته وإخفاقه المعاصر في منطقة مضيئة في التاريخ ,إنطلاقا من ومضات ومعطيات عقلية وروحية معينة ,فيبدأ يؤسس انطلاقا منها, مشروعه المعاصر, لكن خيبته تتجلى حين يكتشف أنه تورط في معطيات كانت نتاج عوامل عديدة في الزمان والمكان, لانتاج منهج كامل وأدوات تؤسس لصيرورة تحمل في داخلها إمكانية تطورها المستمر.
 وقسم آخر من تشظيات الوعي العربي والإسلامي,إنغمس في الماضي وتحديدا في القرون الأولى جاعلا منها النموذج والمثال للحاضر والمستقبل...                     
 كان لنكسة 1967 وقع عميق على الوجدان والوعي العربي, حفز الكثيرين من النخب العربية للقيام بعملية مراجعة وإنجاز دراسات تحليلية ونقدية, وتقديم إجابات معرفية أكثر وعيا ومنهجية ,ليس فقط بأسباب النكسة في الميدان العسكري , بل  بجذور النكسة  في الوعي والثقافة والتاريخ والإدارة. تجلى ذلك  في الدراسات والمشاريع الفكرية التي أنجزها المفكرون العرب المغاربة: محمد عابد الجابري,  عبد الله العروي, طيب تيزيني  التي تعتبر أهم  مشاريع نقدية ناقشت الإشكال بأبعاد ومناهج مختلفة, غير أنها متوحدة في حصر الإشكال  النهضوي  والحداثي العربي في الوعي السلفي السائد, والحاكم العربي المستبد .  إن الذي دفع النخب العربية أن يتجهوا للبحث عن الإشكال وفتح أفق لثقافة معاصرة ومشروع عربي  حداثي خاصة مع تسارع المنجز الحضاري الغربي,وإتساع الفجوة المعرفية والعلمية بين الأنا العربية والآخر الغرب,هو التخفيف من وطأة الصدمة  والإغتراب  الفكري  والعلمي , وكذا الشعور الجمعي بالعيش خارج الحياة وخارج التاريخ, باستثناء   الماضويين السلفيين ,  الذين اختصروا المسألة بالبقاء في مربعات معينة في الماضي , والإستماتة  تجاه أي محاولة مساس أو مراجعة للتـراث , فلم يشعروا بهذا المأزق وهذه الحلة الاغترابية , أو كما قال المفكر الجابري "دون الشعور بأي
اغتراب أو نفي  في الماضي .
التيار الديني الراديكالي " السلفي" وقطاعات كبيرة من تيار  الإسلام السياسي, وجدوا في   الماضي والنصوص الجاهزة , ملاذا آمنا, وإجابات قطعية غير القابلة للمناقشة   التآويل  والإسقاط العقلي والحياتي للنص, كأحد  التابوات التي يواجهها الفكر العربي المعاصر, وكإمتداد  للموقف السلفي التاريخي من العقل والعقلانية والحرية الفكرية, منذ أن تم إغلاق  باب الاجتهاد في زمن الخليفة العباسي المتوكل الذي دشن بشكل عملي ومنهجي بداية محنة العقل العربي والإسلامي حتى اليوم .
فلا يزال العقل العربي يتعرض لمحنة حقيقية من قبل الوعي السلفي المتطرف, الذي  لا نستطيع أن نحدده بجماعة معينة فقط, لأنه نمط من التفكير بأنساق  و تراتبية  معينة تتوحد في رفض الحداثة وإعاقة العقل عن ممارسة نشاطه البحثي عن الحقيقة .
 السلفي, لا يمتلك مشروعا إنمائيا للواقع, بموجبه يتحقق الأمن المعيشي , الذي يتوازى بالضرورة مع الأمن و السلم الاجتماعي , بل يمتلك وعيا   إقصا ئيا وإلغائيا للآخر المختلف بطرق مختلفة , تبدأ بالتكفير و التفسيق و إقامة الحسبة , و قد لا تنتهي بالتفريق بين الزوجين .
كما أن الزمن في وعي السلفي جامد لا يتحرك و لا يأبه بالمنجز و التطور العلمي الذي هو نتاج العقل و المعرفة, فالحاضر و المستقبل ملحقان بزمن السلف و القرون الأولى, بما يؤكد أن هذا النمط  من التفكير يحمل في اللاشعور موقفا مناهضا للعلم و الحرية و الديمقراطية , التي تعتبر من أهم أدوات و تأكيدات حركة الزمن و تطور الإنسان  الإيجابي  و التعايش السلمي .
لذا يصر السلفيون المعاصرون على محاصرة العقل  العربي بسياج نصي و قانوني , و العودة بالمجتمع إلى الماضي,باعتبار أ، الحياة فانية , و أن الحاضر أصبح يحكم بما لم يأمر به  الله  لماذا؟؟
لشعورهم أن حجتهم المعاصرة أصبحت تتصادم مع المتغيرات الحياتية , و أن قدرتهم على استشراف المستقبل ضعيفة جدا, و لمواجهة مرحلة حضارية حققها الغرب , قائم التقنية و الميكنة و التنظيم المؤسسي و المدني لبني البشر , لإرساء مفهوم حقيقي و أطر سليمة للتعايش و السلم و الشراكة , و علي قاعدة الحق و المسؤولية و الحرية و العمل ..                                        فالمرحلة الراهنة كانت قد أنجزت على صعيد الفكر و الفلسفة و الأدب, التي أصلت في الوعي الغربي مفهوم الدولة و الحق و القيمة و الجمال, ثم تحققت بخلق الأدوات و منهجية الفعل الحضاري و القطيعة لا  الانسلاخ مع و من الماضي, و تجاوز الدائرة الميتافيزيقية في بنية العقل الغربي .. فكان الغرب أكثر استفادة من فلسفة ماركس المتعلقة بجدلية التطور التاريخي و  الاجتماعي , التي ترى بأن تطور أدوات الإنتاج سيتبعه  تطور في علاقات الإنتاج فكر-ثقافة- فن -  سياسة  هذه الجدلية التي تعتبرالمحركة للتاريخ , و تثري الوعي بالوجود ..و هي كذلك بالنسبة للغرب , انطلاقا من تنمية قدرات الأفراد, و تعزيز الحريات, وفصل الدين عن الدولة و السياسة و العلم , و هي المسألة  الجوهرية في المنجز الحضاري و السلم  الاجتماعي, و المسألة التي لم يستوعبها العقل العربي التقليدي حتى اليوم , و لذا يعتبرها  من المناطق المحرمة و المجرم اقتحامها و التعاطي فيها (تابو) كترجمة عملية لشعار الإسلام مصحف و سيف ...
 إن تكييف الواقع و الحياة من داخل بنية النص , و وعي الشيخ, دون إعمال للعقل و الوعي بأسباب و ظروف التنزيل, و من قاعدة أن المنفعة أولى, تعطيل للحياة و خروج من العصر, و أسر للعقل, و قمع للحرية,  وتموضع في مربعات التعصب و الصراعات, و المحاكمات على أسس  طائفية و مذهبية و قبلية, و اجترار للماضي الذي يرونه مقدسا, ليجعلوه في مواجهة الحاضر  الطاغوتي و الكفري ..     ما هي النتيجة ؟؟                                                       من كراتشي  حتى نواكشوط , خارطة ملتهبة و متخمة بالصراعات و العذابات, جغرافيا قاحلة ينمو فيها وعي الأحزمة الناسفة , لا وعي الحياة و السلام و التنمية  . مساحة وعي لم يدرك بعد شرطه الوجودي, يصر أن يعيش خارج العصر و داخل الخرافة , يتمتع بالاستبداد و جلد الذات يوميا, دون  أن يلتمس السر و يقترب من الحقيقة, و يتحرر من وجدانه القامع و المقموع.        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق