الخميس، 3 ديسمبر، 2015

المرأة والعنف المركب



أقلام

المرأة والعنف المركب
عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

لما كانت الحروب تبدأ في عقول الناس، ففي عقول الناس يجب أن تبنى حصون السلام"، دستور اليونسكو.
إذا كانت المرأة تعاني من أنواع شتى من العنف، سواء العنف الأسري أو المجتمعي أو الوظيفي أو القانوني أو الجنسي، وجميع أنواع العنف بسبب النوع الاجتماعي، فإن معاناة المرأة والعنف المسلّط ضدها، يتعاظمان بسبب الحروب والنزاعات الأهلية، بحيث يصبح عنفا مركبا موضوعيا وذاتيا، ابتداء من الوضع العام وانتهاء بأوضاعها الخاصة.
وإذا كان يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني يوما عالميا للقضاء على العنف ضد المرأة، فإن هذه المناسبة تتطلب الوقوف عند بعض الظواهر الجديدة التي سبّبت زيادة في معاناة النساء بسبب العنف، خاصة في مناطق النزاعات المسلحة والحروب، إضافة إلى مناطق النزوح والهجرة واللجوء، ناهيك عن المناطق التي ضربها الإرهاب أو سيطر عليها الإرهابيون، كما هو تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) الذي احتل الموصل وتمدد إلى المحافظات الغربية الأخرى من العراق، وفتح خطا متواصلا عبر الحدود السورية مع محافظة الرقة ودير الزور.
"تعرضت النساء الإيزيديات إلى عملية سبي وتم بيعهن في سوق النخاسة، وكذلك إجبار المسيحيات على التأسلم الداعشي أو دفع الجزية أو الرحيل، والأمر لم يقتصر على ذلك فحسب، بل إن النساء المسلمات أجبرن على ممارسة أفعال مستنكرة تحت عناوين قريبة من الشعوذة الدينية "
سبي وبيع
وإذا كانت مديات العنف والإرهاب شملت المجتمع ككل، فإن وقعها على النساء هو الأكثر ثقلا، خاصة الأشكال الجديدة من العنف، في ظل موجة الإرهاب المنفلتة من عقالها، التي أصابت المرأة في الصميم، حيث تعرضت النساء الإيزيديات إلى عملية سبي وتم بيعهن في سوق النخاسة، وكذلك إجبار المسيحيات على التأسلم الداعشي أو دفع الجزية أو الرحيل، والأمر لم يقتصر على ذلك فحسب، بل إن النساء المسلمات أجبرن على ممارسة أفعال مستنكرة تحت عناوين قريبة من الشعوذة الدينية ولا يجمعها جامع مع تعاليم الإسلام السمحاء.
وإذا كان موضوع العنف ضد المرأة عولج في عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فإن هذه المسألة تحتاج إلى وقفة جدية للمراجعة وجردة حساب، لا سيما في الواقع العملي، بما لحق بالنساء جراء الظواهر الجديدة من غبن وأضرار وإجحاف وإذلال وامتهان للآدمية والكرامة الإنسانية.
وإذا كانت المرأة وقت السلم تتعرض للتمييز والاضطهاد والعنف، فإن ما تتعرض له في أوقات النزاعات والحروب مضاعف ومتشعب ومركب، خصوصا باندلاع موجات الإرهاب والتكفير والتطرف، وما صاحبها ولحقها من نزوح ولجوء وهجرة، وما تعرضت له النساء من استلاب ومساومات، خاصة مع وجود الأطفال والحاجة المادية والسعي للخلاص.
لا ننفي أن العنف الذي تتعرض له المرأة وقت السلم سُلط عليه الضوء بما يكفي، كما أنه لم يتم وضع حد له، بل إن أنواعا غير مألوفة من العنف ضد المرأة استجدت في ربع القرن الماضي، فما بالك بموضوع العنف الواقع على النساء أوقات النزاعات المسلحة والحروب، الذي لم يحظ بالاهتمام المطلوب، خصوصا متفرعات الإرهاب والتطرف واللجوء والهجرة وما سواها
كما أن التطور الذي حصل في العقود الستة الماضية لا يزال محدودا، ناهيك عن عدم الالتزام بالمعايير والاتفاقيات الدولية التي تُوصّل إليها لحماية المرأة، ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والصحية والنفسية الواقعة عليها بسبب الحروب والنزاعات المسلحة.
وإذا كانت الحروب والنزاعات المسلحة ظاهرة عانت منها البشرية منذ بدء الخليقة، وسعت الأديان والفلسفات على مر العصور إلى إفراد القواعد وتقنين الشرائع وإصدار القوانين واللوائح والأنظمة للتخفيف من آثارها والحد من غلوائها، فإن وقع هذه الظاهرة على النساء كان كبيرا، وهو الأمر الذي أخذ يشغل اهتمام المعنيين، لا سيما من المُنتظم الدولي، بسبب المعاناة الفائقة والمتعاظمة للنساء جراء الحروب والنزاعات المسلّحة، وما أصابهن من أذى وغبن وإجحاف ودمار مادي ومعنوي وعلى جميع الصُعد.
وإذا كانت المرأة على الصعيد الكوني أكثر عرضة للأذى من جراء اندلاع الحروب والنزاعات المسلحة، فإنها في منطقتنا العربية كانت الأكثر ضرراً وفداحة، حيث شهدت أعمال عنف وإرهاب وعدوان وحروب وحصار ونزاعات مسلحة داخلية وخارجية ليس لها مثيل، ولم تتوقف عمليات الاستلاب المادي والمعنوي بحق النساء، بل إنها أخذت بالتزايد، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة على مستقبل مجتمعاتنا ودولنا.
وقد تفاقمت نتائج الحروب والنزاعات خلال العقود الأربعة الماضية، إذا اعتبرنا أن المأساة الفلسطينية مستمرة منذ قيام "إسرائيل" عام 1948، سواء في الحرب الأهلية اللبنانية أو الحرب العراقية-الإيرانية أو غزو الكويت وحرب قوات التحالف ضد العراق واحتلاله 2003 بعد حصار دولي طويل الأمد، وكذلك الحرب الأهلية في الجزائر والنزاعات المسلحة في السودان وحروب اليمن، بما فيها ما بعد ما سمي الربيع العربي، إضافة إلى ليبيا ومرورا بسوريا واستمرارها في العراق، مع معاناة خاصة لنساء البلدين بسبب هيمنة تنظيم داعش "الإرهابي" على مناطق شاسعة منهما.
"تسهم الحروب والنزاعات المسلحة في ارتفاع معدّلات الفقر، مما ينعكس على النساء أكثر من غيرهن، بسبب ذهاب الزوج إلى ساحة الحرب أو فقدانه أو قتله أو أسره أو إصابته، وغالبا ما تقوم المرأة بشغل مكانه ليس على صعيد العمل فحسب، بل تمارس دور الأب والأم في العائلة، إضافة إلى أعباء العمل والضغوط النفسية"
معاناة مزدوجة
وإذا كانت المرأة وقت السلم مهضومة الحقوق، فما بالك بأوقات الحرب والنزاعات المسلحة، فستكون معاناتها كبيرة ومزدوجة ومركّبة وشاملة، فالحرب بطبيعتها في تناقض مع الإنسانية، وعلى الرغم من أن الإنسان هو من ابتدعها فقد راح ضحيتها، ولا سيّما النساء. وخلال الحروب تتعرض المرأة إلى العنف والجريمة بدرجة أكبر منها وقت السلم، خصوصاً بانفلات النظام أحيانا وغياب أو ضعف سلطة الدولة. ليس هذا فحسب، بل إن الفترات التي تعقب الحروب تشهد أيضا عمليات انتقام تطول المرأة بشكل خاص، ناهيك عن عدم تلبية احتياجاتها الضرورية من الإغاثة والمساعدات الإنسانية.
وتسهم الحروب والنزاعات المسلحة في ارتفاع معدّلات الفقر، وهو ما ينعكس على النساء أكثر من غيرهن، بسبب ذهاب الزوج أو الشريك إلى ساحة الحرب أو فقدانه أو قتله أو أسره أو إصابته، وغالبا ما تقوم المرأة بشغل مكانه ليس على صعيد العمل فحسب، بل تمارس دور الأب والأم في العائلة، إضافة إلى أعباء العمل والضغوط النفسية.
ويمكن إدراج ما تتعرض له المرأة إلى جرائم ضد الإنسانية، مثل القتل العمد والإبادة والاستعباد والتهجير القسري والتعذيب والاغتصاب والإرغام على ممارسة الدعارة والحمل القسري والتعقيم القسري أو أي شكل من أشكال العنف الجنسي.
ويعد مؤتمر بكين الذي انعقد قبل ما يزيد على عشرين عاماً (4-15 سبتمبر/أيلول 1995) من أكثر المؤتمرات الدولية شهرة وأهمية بخصوص المرأة، وجاء انعقاده بعد تطوّر دولي بشأن حقوق المرأة، وخصوصا اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979.
وإذا كان مؤتمر بكين ثمرة لجهد طويل الأمد ونضال دؤوب من جانب المرأة ودفاعها عن حقوقها بدعم القوى المؤمنة بمبدأ المساواة، فإن ما تبعه كان استكمالا وتطويرا، لا سيما مؤتمر بكين+5 ومؤتمر بكين+10، حيث حظيت المشكلات التي تواجهها المرأة في حالات الحروب والنزاعات المسلحة باهتمام خاص، وهو ما انعكس على الأمم المتحدة، سواء مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وتعد النساء والأطفال أهدافا سهلة في الحروب والنزاعات المسلحة، وهم يشكلون أغلب الضحايا، سواء من القتلى أو الجرحى أو اللاجئين أو النازحين أو المشردين في العالم. وتضطر النساء للعمل لسد الثغرات التي يتركها الرجال، إضافة إلى تربية الأطفال، وكلما امتدت فترة الحرب، زادت الضغوط الاجتماعية والأعراض الناجمة عنها، والآثار الصحية والنفسية، خاصة تغير الأدوار التقليدية للنساء، وشح فرص الزواج، وازدياد نسبة العنوسة والترمّل، وغيرها.
وبتأثير من انعقاد مؤتمر بكين صدر قرار من مجلس الأمن بالإجماع رقم 1325 عام 2000. وهو قرار خاص "بالمرأة والسلام والأمن"، ويعد خطوة مهمة على صعيد مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل من أجل إحلال السلام والأمن، سواء على صعيد صنع القرار أو مشاركتها في المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية وفي آليات منع النزاع ومفاوضات السلام وعمليات حفظ السلام، وكذلك بتمثيلها للأمين العام للأمم المتحدة، وأكد القرار منظومة حماية المرأة من العنف بجميع أشكاله وتعزيز حقوقها وتطبيق أعمال المساءلة الضرورية.
واستكمالا لذلك، صدر عن مجلس الأمن قرار آخر في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2009، وحمل رقم 1889 بهدف تعزيز وتطبيق ومراقبة تنفيذ القرار 1325 والقرار 1820 لعام 2008 وربط العنف الجنسي بقضايا الحرب والنزاعات المسلحة، وقد ركّز القرار 1889على مشاركة المرأة خلال مراحل ما بعد النزاع وإعادة البناء.
جدير بالذكر أن اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، أوجبت على الدول الموقعة عليها تعديل قوانينها لمعاقبة مرتكبي جرائم الحرب، لكن الدول لم تلتزم جميعها -وعلى القدر ذاته- بهذه الاتفاقيات. الملحقان لاتفاقيات جنيف هما: البروتوكول الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني البروتوكول الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
وإذا كان العالم يحتفل باليوم العالمي ضد العنف الواقع على المرأة، فإنه حتى وقت قريب لم تدرج مسألة العنف الجنسي ضد النساء بوصفها من جرائم الحرب، بما فيها الاغتصاب، ولم تقض قرارات محاكم نونمبرغ ضد مجرمي الحرب النازيين ومحاكم طوكيو العسكرية ضد العسكريين اليابانيين بتجريم المرتكبين بذلك، وتم الاكتفاء بعدها من  
المخالفات الجسيمة. وذهبت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا عام 1994 لوصفها جريمة ضد الإنسانية، وحتى ما حصل في رواندا من أعمال اغتصاب وعنف جنسي لم يصل إلى عدّه جريمة ضد الإنسانية، سوى في عام 1997.
إن قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان واتفاقيات اللاجئين والاتفاقيات الدولية بشأن حقوق المرأة ومنع التمييز ضدها والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، جميعها تعالج احتياجات النساء في زمن السلم، إضافة إلى زمن الحرب والنزاع المسلح، لكن التحدي الكبير الذي تواجهه هذه المنظومة التشريعية، هو في كيفية امتثال العالم لهذه القواعد الناظمة لحقوق النساء، الأمر الذي يحتاج إلى تحديد مسؤولية الدول في وضع نهاية للإفلات من العقاب ومقاضاة المسؤولين عن أعمال الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، خصوصاً في ما يتعلق بما تتعرض له النساء من أشكال مختلفة من العنف، والتأكيد على ضرورة استثناء تلك الجرائم من أحكام العفو، علما بأن القرار 1325 أكّد استعداد مجلس الأمن لاتخاذ التدابير بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة (الخاصة باتخاذ عقوبات رادعة بما فيها استخدام القوة المسلحة) لمنع حدوث الانتهاكات، وللنظر في الآثار المحتملة لتلك التدابير على السكان المدنيين، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة بالمرأة والفتاة، وذلك للنظر في منح الاستثناءات المناسبة.
ولمواصلة ذلك تبنى مجلس الأمن قرارا بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول 2013 برقم 2122 أدرجت فيه المرأة بشكل كامل في محادثات السلام والعدالة الانتقالية، وذلك بهدف إزالة العقبات أمام مشاركة المرأة واستثمار فضاءات جديدة من طرفها، لا سيّما في ما يتعلق بالمساءلة وكشف الحقيقة وتعويض الضحايا وجبر الضرر وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية.
وتزداد أهمية مثل هذا الموضوع في الوقت الحاضر بسبب أعمال الإرهاب والعنف، سواء من جانب تنظيمات كداعش وأخواته، أو بسبب تفشي ظاهرة العنف ضد النساء والأطفال،
وخصوصاً في النزاعات المسلحة، الأمر الذي يحتاج بمناسبة اليوم العالمي للعنف ضد المرأة إلى جردة حساب ووقفة للمراجعة وانطلاقة جديدة
 المصدر
http://www.gwf-online.org/ar/pens/80/.html

كاتب وباحث عربي

GULF WOMEN FOUNDATION

...    E-Mail: info@gwf-online.org
حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة المرأة الخليجية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق